ابن قيم الجوزية
193
البدائع في علوم القرآن
الناسخ والمنسوخ حكمة النسخ في القرآن إذا كان الرب تعالى لا حجر عليه بل يفعل ما يشاء ، ويحكم ما يريد ويبتلي عباده بما يشاء ويحكم ولا يحكم عليه ، فما الذي يحيل عليه ويمنعه أن يأمر أمة بأمر من أوامر الشريعة ، ثم ينهى أمة أخرى عنه ، أو يحرم محرما على أمة ويبيحه لأمة أخرى . بل أي شيء يمنعه سبحانه أن يفعل ذلك في الشريعة الواحدة في وقتين مختلفين بحسب المصلحة وقد بين ذلك سبحانه وتعالى : ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 106 ) [ البقرة : 106 ] فأخبر سبحانه أن عموم قدرته وملكه وتصرفه في مملكته وخلقه لا يمنعه أن ينسخ ما يشاء ويثبت ما يشاء ، كما أنه يمحو من أحكامه القدرية الكونية ما يشاء ويثبت « 1 » فهكذا أحكامه الدينية الأمرية ، ينسخ منها ما يشاء ويثبت منها ما يشاء . فمن أكفر الكفر وأظلم الظلم : أن يعارض الرسول الذي جاء بالبينات والهدى وتدفع نبوته وتجحد رسالته ؛ بكونه أتى بإباحة بعض ما كان محرما على من قبله أو تحريم بعض ما كان مباحا لهم ، وباللّه التوفيق يضل من يشاء ويهدي من يشاء . ومن العجب أن هذه الأمة الغضبية « 2 » تحجر على اللّه تعالى أن ينسخ ما يشاء من شرائعه ، وقد تركوا شريعة موسى عليه السلام في أكثر ما هم عليه ، وتمسكوا بما شرعه لهم أحبارهم وعلماؤهم فمن ذلك : أنهم يقولون في صلاتهم ما ترجمته هكذا : اللهم اضرب ببوق عظيم لفيفنا واقبضنا جميعا من أربعة أقطار الأرض إلى قدسك سبحانك يا جامع شتات قوم إسرائيل .
--> ( 1 ) قال تعالى : يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ ( 39 ) [ الرعد : 39 ] وهي مذكورة بعد بيان أن الرسل لا تأتي بشيء من نفسها إنما بالوحي ، وأن الآجال مقدرة في كتابه يقول تعالى عن ذلك وَما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ [ الرعد : 38 ] فهذا المحور إما لكتب الآجال أو نسخ ما في شرائع واللّه أعلم . ( 2 ) يعني اليهود لعنهم اللّه تعالى .